محمد بن جرير الطبري

95

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس أب جد سعد ، في قوله : ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ قال : أما قوله : قَضى أَجَلًا فهو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة . وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان . وقال آخرون بما : حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، في قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ قال : خلق آدم من طين ، ثم خلقنا من آدم ، أخذنا من ظهره ، ثم أخذ الأجل والميثاق في أجل واحد مسمى في هذه الحياة الدنيا . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : معناه : ثم قضى أجل هذه الحياة الدنيا ، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو أجل البعث عنده . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأنه تعالى نبه خلقه على موضع حجته عليهم من أنفسهم ، فقال لهم : أيها الناس ، إن الذي يعدل به كفاركم الآلهة والأنداد هو الذي خلقكم فابتدأكم وأنشأكم من طين ، فجعلكم صورا أجساما أحياء بعد إذ كنتم طينا جمادا ، ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم ، ليعيدكم ترابا وطينا كالذي كنتم قبل أن ينشأكم ويخلقكم . وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ لإعادتكم أحياء وأجساما كالذي كنتم قبل مماتكم . وذلك نظير قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ . يقول تعالى ذكره : ثم أنتم تشكون في قدرة من قدر على خلق السماوات والأرض ، وإظلام الليل وإنارة النهار ، وخلقكم من طين حتى صيركم بالهيئة التي أنتم بها على إنشائه إياكم من بعد مماتكم وفنائكم ، وإيجاده إياكم بعد عدمكم . والمرية في كلام العرب هي الشك ، وقد بينت ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . وقد : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ قال : الشك . قال : وقرأ قول الله : فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ قال : في شك منه . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ بمثله . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ يقول تعالى ذكره : إن الذي له الألوهة التي لا تنبغي لغيره المستحق عليكم إخلاص الحمد له بآلائه عندكم أيها الناس الذي يعدل به كفاركم من سواه ، هو الله الذي هو في السماوات وفي الأرض ، يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ فلا يخفى عليه شيء ، يقول : فربكم الذي يستحق عليكم الحمد ويجب عليكم إخلاص العبادة له ، هو هذا الذي صفته ، لا من لا يقدر لكم على ضر ولا نفع ولا يعمل شيئا ولا يدفع عن نفسه سوءا أريد بها . وأما قوله : وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ يقول : ويعلم ما تعملون وتجرحون ، فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به عند معادكم إليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ يقول تعالى ذكره : وما تأتي هؤلاء الكفار الذين بربهم يعدلون أوثانهم وآلهتهم آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ يقول : حجة وعلامة ودلالة من حجج ربهم ودلالاته وأعلامه على وحدانيته وحقيقة نبوتك يا محمد وصدق ما أتيتهم به من عندي ، إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ يقول : إلا أعرضوا عنها ، يعني عن الآية ، فصدوا عن قبولها والإقرار بما شهدت على حقيقته ودلت على صحته ، جهلا منهم بالله واغترارا بحلمه عنهم . القول في تأويل قوله تعالى : فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يقول تعالى ذكره : فقد كذب هؤلاء العادلون بالله الحق لما جاءهم ، وذلك الحق هو محمد صلى الله عليه وسلم ، كذبوا به ، وجحدوا نبوته لما جاءهم قال الله لهم متوعدا على تكذيبهم إياه وجحودهم نبوته : سوف يأتي المكذبين بك يا محمد من قومك وغيرهم أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يقول : سوف يأتيهم أخبار استهزائهم بما كانوا به يستهزءون من آياتي وأدلتي التي آتيتهم . ثم وفى لهم بوعيده لما تمادوا في غيهم وعتوا على ربهم ، فقتلهم